أَصِيْلَةُ بلد بقرب طنجة و يقال فيه أزيلة بالزاي، و هي مدينة كبيرة قديمة عامرة آهلة كثيرة الخير و الخصب، و كان لها مرسى مقصود، و كان سبب خرابها أن المجوس لما خرجوا من البحر الكبير أول ما يلقاهم مدينة أصيلة فينزلون مرساها و يخربون ما قدروا عليه منها فيجتمع البرابر و يحاربونهم فكانوا معهم على ذلك حتى خلت مع ما كان بين أهل تلك البلاد من الفتن. و يقال إن المجوس قصدوا إليها مرة فاجتمع البرابر لقتالهم فقالوا لهم: ما جئنا لقتال و إنما لنا ببلدكم أموال و كنوز فتنحوا عنا حتى نستخرجها لكم و نشاطركم فيها، فرضي البربر بذلك و اعتزلوا عن الموضع الذي ذكروه لهم، فحفر المجوس موضعا من تلك المواضع التي زعموا فوجدوا مطامير من الدخن فاستخرجوه، فلما نظر البربر من بعيد إلى صفرة الدخن ظنوه تبرا فبدروا اليهم و نقضوا عهدهم و هرب المجوس إلى مراكبهم، فلما أصاب البربر الدخن ندموا و رغبوا إلى المجوس أن يرجعوا إلى استخراج المال، قالوا لهم: قد رأينا منكم نقض العهد فلا نأمنكم أبدا. و أصيلة أول مدن العدوة من جانب الغرب، و هي في سهل من الأرض و حولها رواب لطاف و البحر بغربيها و جوفيها، و كان عليها سور له خمسة أبواب، و لجامعها خمس بلاطات، و إذا ارتج البحر بلغ الموج إلى حائط الجامع، و سوقها حافل يوم الجمعة، و ماء آبار المدينة شريب، و بخارجها آبار عذبة، و مرساها مأمون، و المدخل إليها من الشرق، و يستدير بالمرسى من ناحية الجوف جسر من حجارة مخلوقة تطيف على السفن المرساة فيه، و هي مدينة محدثة، و كان سبب بنائها أن المجوس نزلوا مرساها مرتين، أما الأولى، فانهم أتوا و زعموا أن لهم بها أموالا و كنوزا فاجتمع البربر لقتالهم على ما قدمناه، و ذلك في أيام الإمام عبد الرحمن بن الحكم و أما خروجهم الثاني فان الريح قذفتهم في ذلك المرسى منصرفهم من الأندلس و عطبت لهم على باب المرسى من ناحية المغرب مراكب كثيرة، و يعرف ذلك الموضع بباب المجوس إلى اليوم، فاتخذ الناس موضع أصيلة رباطا فأتوه من جميع الأمصار، و كانت تقوم فيه سوق جامعة ثلاث مرات في السنة، و هو وقت اجتماعهم و ذلك في شهر رمضان و في عشر ذي الحجة و في عاشوراء، و كان الموضع ملكا للواتة فابتنى فيه قوم من كتامة و اتخذوه سوقا جامعا و تسامع الناس أمرها من الأندلس و أهل الأمصار فقصدوها في الأوقات المذكورة بضروب السلع، ثم بنوا شيئا بعد شيء فعمرت فقدمها القاسم بن ادريس فملكها و بنى سورها و مصرها و بها قبره، و وليها إبراهيم ابنه ثم حسين بن إبراهيم ثم صار أمرها إلى حسن الحجام منهم ثم استولى عليهم ابن أبي العافية و كان الحجام يستعمل عليها الو لاة. قالوا و تفسير أصيلة جيدة، و بقبلي أصيلة قبائل لواتة و بنو زياد من هوارة و بين القبلة و الغرب منها عين تعرف بعين الخشب ثرة، و أصيلة بغربي طنجة . و من أصيلة أبو محمد عبد اللّه بن إبراهيم الأصيلي أصله من كورة شذونة من بلاد الأندلس و كان جده من مسالمة أهل الذمة و رحل أبوه إبراهيم إلى أصيلة من بلاد العدوة ثم رحل في طلب العلم و جال في الآفاق و أوغل في بلاد المشرق و لقي الرجال، و تفنن في الرأي و الحديث، و كان من جلة العلماء و صنف كتبا كثيرة نفّاعة، و سمع بخبره أمير المؤمنين الحكم و كان معتنيا بهذا الشأن فاستجلبه من العراق فأقبل إلى الأندلس، فلما وصل إلى المرية مات الحكم فانعكس أمله و بقي حائرا، و كان مقلا ثم نهض إلى قرطبة حضرة السلطان و نشر بها علمه، فشرق فقهاؤها بمكانه و بقي مدة مضاعا حتى همّ بالانصراف إلى المشرق، ثم علق بحبل محمد ابن أبي عامر قيم الدولة الهشامية و كان عرف مكانه في العلم و بعد أثره فيه، فرغب في اصطناعه و أجرى عليه الرزق فنعشه به ثم أخرج أمر السلطان بتقديمه للشورى ثم ولي قضاء سرقسطة، و كان من حفاظ مذهب مالك إلا أنه على مذهب العراقيين من أصحابه، و من تواليفه «الدلائل على أمهات المسائل» توفي سنة اثنتين و سبعين و ثلثمائة على أثر موت ابن أبي عامر. 
توصیف این مدخل بصورت ماشینی استخراج شده است
( الروض المعطار في خبر الأقطارالروض المعطار في خبر الأقطار
, ص42) 