احتجاب أوّلاً - التعريف: الاحتجاب في اللغة بمعنى الاكتنان وراء الحجاب ، و أصله الحجب و هو المنع ، و الاسم حاجب و حِجاب، و الحجاب جسم حائل بين جسدين، و يستعمل في المعاني فيقال للسّتر: حجاب؛ لأنّه يمنع النظر، و للبوّاب حاجب؛ لأنّه يمنع الدّخول، و للحرز حجاب؛ لأنّه يمنع من تأثير العين، و لضوء الشمس حجاب؛ لمنعه عن مشاهدتها؛ و للعجز حجاب؛ لأنّه يمنع بين الإنسان و مراده، و للمعصية حجاب، و للعظمين فوق العينين، و كذا الشعر و اللحم حاجبان؛ لأنّهما يمنعان من وصول شيء إلى العينين و هكذا. و من ذلك قول الإمام عليه السلام في المناجاة: «و إنّك لا تحتجب عن خلقك إلّا أن تحجبهم الأعمال دونك» . و قوله عليه السلام: «أيّما والٍ احتجب عن حوائج الناس احتجب اللّٰه عنه يوم القيامة» . و ليس لدى الفقهاء اصطلاح خاص بهذه اللفظة. ثانياً - الألفاظ ذات الصلة: 1 - الاستتار: و هو التغطّي و الاختفاء يقال: استتر بالثوب و تستّر به أي تغطّى ، و الفرق بين الاحتجاب و الاستتار هو: أنّ الاحتجاب ربّما يصدق عليه الاستتار أيضاً و يتحد معه خارجاً و ذلك فيما إذا كان ما احتجب به هو الستر كالثوب، و ليس كذلك إذا كان الاحتجاب باتخاذ البوّاب مثلاً فلا يصدق الاستتار حينئذٍ. و قد يفرّق بينهما بأنّ الستر لا يمنع من الدخول على المستور، بخلاف الحجاب فإنّه يمنع من الدّخول .و من ذلك إطلاق الفقهاء على ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة «حاجب» دون «الساتر» . 2 - التورية: و هو مصدر ورّيتُ بمعنى الستر و الإخفاء ، و منه ما روي: أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان إذا أراد غزواً ورّى بغيره؛ و ذلك إذا ستر خبراً و أظهر غيره .و هي في الاصطلاح أن يريد المتكلّم باللفظ معنى مطابقاً للواقع و قصد من إلقائه أن يفهم المخاطب منه خلاف ذلك ممّا هو ظاهر فيه ، و كأنّه مأخوذ من وراء الإنسان؛ لأنّه إذا قال: ورّيته كأنّه جعله وراءه حيث لا يظهر . ثالثاً - الحكم الإجمالي و مواطن البحث: أ - الاحتجاب بمعنى الاستتار: يختلف حكم الاحتجاب و الاستتار باختلاف المواطن. فقد يجب كما في ستر العورة عن الناظر المحترم و مطلقاً في الصلاة.و الاستتار بالمعصية بمعنى عدم التجاهر بها بل و عدم كشفها سواء فيه نفس العاصي أو غير العالم بها؛ لأنّه من إشاعة الفاحشة المنهي عنها في الآية.و ستر الأمانة عند خوف ضياعها من ظالم و نحوه، و كتمان العقيدة كالإسلام و الإيمان عند خوف النفس، و ستر عيوب الناس و عدم اظهارها إلّا فيما استثنى كنصح المستشير، و استتار الذمّي بفعل المحرّم في شريعة الإسلام؛ لاشتمالها على نوع من الهتك المحرّم. و قد يستحب كما في الاستتار حال الجماع و التخلّي و ما يماثلهما؛ لأنّه أنسب بالحياء، و الاستتار بالعبادة خصوصاً للنساء؛ لأنّه أوفق بالإخلاص و أستر للعورة، و من هذا الباب استحباب أخذ السترة للمصلي.و الاستتار بالمصيبة و النائبة و المرض و الفقر؛ لأنّه أوفق بالشكر و أرضى للربّ و أرجى لليُسر و نزول النعمة. (انظر: ستر، سُترة) و قد يكره كما في اعتزال الشخص من الناس إلّا في موارد خاصة كالخوف من الدين عند فساد المجتمع فيجوز، بل قد يجب. (انظر: اعتزال) و قد يحرم كاختفاء المديون عن دائنه عند حلول الدين، إلّا إذا كان معسراً لا يقدر على الأداء و خاف من دائنه الجور عليه، كما أنّ اختفاء المحكوم بحد عن القاضي بعد الحكم عليه قد يحكم بحرمته دون ما إذا كان قبل الحكم عليه و قد تاب في نفسه فيجوز له الهرب، بل قد يقال بالوجوب فيما إذا كان الحد قتلاً؛ لوجوب حفظ النفس، و لا ينافيه لزوم إجراء الحد على القاضي؛ لأنّ ذلك إنّما من وظيفة الحاكم. و قد يقع استتار شيء موضوعاً لتعلّق تكليف آخر بالمكلّف كاستتار الشمس بالقمر المسمى بالكسوف و استتار القمر بالأرض المسمى بالخسوف، فتجب عندئذٍ على المكلّف صلاة الآيات.و يطلب تفصيل كلّ هذه الأحكام في مواطنها من الفقه و ضمن مصطلحات متفرقة. (انظر: صلاة الآيات) ب - الاحتجاب بمعنى اتخاذ الحاجب: 1 - احتجاب القاضي: يكره للقاضي اتخاذ الحاجب، و هو الذي يكون وصول المتنازعين إلى القاضي موقوفاً على إذنه ، و صريح بعضهم الحرمة في ما إذا اتخذه على الدوام بحيث يمنع أرباب الحوائج و يضرّ بهم لما فيه من تعطيل الحقوق الواجب قضاؤها على الفور و إلّا فلا يحرم . و مستند الكراهة قول أمير المؤمنين عليه السلام: «أيّما والٍ احتجب عن حوائج الناس احتجب اللّٰه عنه يوم القيامة و عن حوائجه» ، و غيره. 2 - احتجاب المؤمن: وردت عدة روايات في ذمّ الاحتجاب عن الأخ المؤمن: منها: رواية أبي حمزة عن الباقر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك ما تقول في مسلم أتى مسلماً زائراً و هو في منزله فاستأذن عليه فلم يأذن له و لم يخرج إليه، قال: «يا أبا حمزة أيّما مسلم أتى مسلماً زائراً أو طالب حاجة و هو في منزله فاستأذن فلم يأذن له و لم يخرج إليه لم يزل في لعنة اللّٰه حتى يلتقيا»، قلت: جعلت فداك في لعنة اللّٰه حتى يلتقيا؟ قال: «نعم» . و منها: رواية مفضّل بن عمر عن الصادق عليه السلام: «أيّما مؤمن كان بينه و بين مؤمن حجاب ضرب اللّٰه عزّ و جلّ بينه و بين الجنّة سبعين ألف سور، ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام» . قال المجلسي في تفسير الحجاب: «أي المانع من الدخول عليه، إمّا بإغلاق الباب دونه، أو إقامة بوّاب على بابه يمنعه من الدخول عليه» . و بهذا المضمون أحاديث كثيرة . و الظاهر من صاحب الوسائل الفتوى بالحرمة بالنسبة لحجب المؤمن و هو خصوص الموالي الاثنا عشري . و لكن الذي ينبغي أن يعلم أنّ الحرمة المزبورة إنّما هي فيما إذا كان الاحتجاب للتكبّر و الاستهانة بالمؤمن، و تحقيره و عدم الاعتناء بشأنه، لا ما إذا كان لسائر الأغراض المشروعة للإنسان، حيث إنّ كلّ شخص لا بدّ له من ساعات في اليوم و الليلة يشتغل فيها بإصلاح اُمور نفسه و معاشه و معاده لا سيما العلماء؛ لاضطرارهم إلى المطالعة و التأمّل في المسائل الدينيّة و جمعها و تأليفها و تنقيحها و جمع الأخبار و غير ذلك من الاُمور التي لا بد لهم من الخوض فيها و الاعتزال عن الناس و الاختلاء في مكان لا يشغلهم فيه أحد و قد صرّح به بعضهم . ج - الاحتجاب بمعنى الغيْبة: 1 - احتجاب الحاكم عن رعيّته: من آداب الحكومة و الولاية أن لا يطول احتجاب الوالي عن رعيّته، فقد ورد في وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام للأشتر: «و بعد هذا فلا يطولنّ احتجابك عن رعيّتك؛ فإنّ احتجاب الولاة عن الرعيّة شعبة من الضيق و قلّة علم بالاُمور، و الاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغّر عندهم الكبير و يعظّم الصغير و يقبّح الحسن و يحسّن القبيح و يشاب الحق بالباطل» . 2 - الاحتجاب عن الناس: قد وردت روايات في مدح العُزلة عن الناس: منها: رواية الصادق عليه السلام: «صاحب العزلة متحصّن بحصن اللّٰه و محترس بحراسته» .و لكن المراد منها العزلة في أحوال خاصّة. قال العلّامة المجلسي: «إنّ الاعتزال عن الخلق كافة ليس بممدوح في هذه الاُمّة كما يظهر ذلك من أحاديث متواترة، و هناك أحاديث كثيرة في فضل تزاور المؤمنين و عيادة مرضاهم...و هذا لا يجتمع مع الاعتزال - ثمّ قال: - و الأخبار الواردة في الاعتزال إنّما هي في الاعتزال عن شرار الناس الذين لا يهتدى بمجالستهم و الذين يضرّون جليسهم في دينه، و إلّا فمعاشرة الصلحاء و هداية الضالّين طريقة الأنبياء و من أفضل العبادات» . (انظر: اعتزال) د - الاحتجاب بمعنى أخذ العُوذَة: العُوذة بضم العين يقال لكلّ ما يعوذ به الإنسان من فزع أو جنون... . و العياذ و المعاذ بمعنى الاعتصام، و يقال للسورتين «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلَقِ» و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنّٰاسِ» معوّذتان؛ لأنّهما عصمتا صاحبهما عن كلّ سوء . و الاحتجاب بهذا المعنى يتحقّق بأخذ الإنسان معه أو مع ما يتعلّق به من طفل أو دار أو سيّارة مكتوباً كالقرآن أو بعضه أو اسم من أسماء اللّٰه تعالى، أو بقراءتها في بعض المقامات بقصد الاعتصام و الالتجاء إليه و الاحتراس به عن المخاوف و المضار و الوساوس و السحر و ما يشبه ذلك. و هو في الجملة ممّا لا إشكال فيه لرجوعه إلى الاستعاذة و الالتجاء إلى اللّٰه تعالى المأمور به في جميع المقامات، قال اللّٰه تعالى: «وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ» و القرآن وسيلة و حبل اللّٰه بينه و بين خلقه، و قال عزّ و جلّ: «وَ إِمّٰا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ اَلشَّيْطٰانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ» ، و قال عن قول مريم عليها السلام لمّا خافت: «إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا» و أيضاً: «وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزٰاتِ اَلشَّيٰاطِينِ* وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ» . و الحجابات المرويّة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الأئمة المعصومين عليهم السلام كثيرة ، و لا بأس بها ما دام داخلاً في العناوين المزبورة المباحة بل المندوبة. قال كاشف الغطاء: «العوذة و الرقية و النشرة إذا كانت من القرآن، و كذا إذا كانت من الذكر أو مرويّة عنهم لا بأس بها دون غيرها من الأشياء المجهولة، و لا بأس بتعليق التعويذ من القرآن و الدعاء و الذكر كما ورد في الأخبار» . و قال بعض المعاصرين: «لا بأس بعمل أصحاب العوذات و الأقسام ما لم يدخل فعلهم في السحر و التوسّل إلى الشياطين» . (انظر: تعويذ، حرز) 
توصیف این مدخل بصورت ماشینی استخراج شده است
( موسوعة الفقه الإسلاميموسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البیت علیهم السلام
, ج6 , ص37) 